التفجيرات التي يشهدها العراق لا تميّز بين مسالم وضالع، لقد سممت عقول المواطنين وأثارت الرعب، وضربت التعايش القائم على اسس شعار "المصلحة الوطنية فوق كل إعتبار" لتدب هستيريا التعصب الاعمى محل الضمير والإخلاص للوطن. حتى الهاربين من جحيم المذابح لم تزل تلاحقهم جرثومة الإنتقام والحقد، والحقيقة تقال أن الذي يشهد اعمال اجرام وتعذيب وتشنيع كهذه يحتاج لسنين من العلاج النفسي. موجة التسمم الثقافي الذي يشهده العراق قد انتقلت لكثير من الدول العربية، والحكومات والشعوب لا تحرك ساكناً رغم خطورة الموقف، لا إستنكار ولا تعاون لتوجيه الشعوب ولنشر ثقافة إحترام الحياة
الهذه الدرجة اصبحت حياة الإنسان رخيصة؟
الهذا الحد قد سهل عليكم قتل الناس؟
الا يكترث القتلة بما تسببه اعمالهم من إنطباعات شعوب العالم عن مجتمعاتهم واجنلسهم ومعتقداتهم؟
ما الذي يجنوه من اعمال القتل الجماعي؟
الا يفكرون بنتائج أعمالهم وما يترتب عنها من الم وظلم؟
اكثر من ٤٠ عراقياً قتلوا عندما هاجم مسلحون كنيسة سيدة النجاة في العراق، عدد من منفذي هذا الهجوم قتلوا وكذلك عدد من افراد قوات الامن العراقي، وقد إستخدم المهاجمون الاسلحة الرشاشة والأحزمة الملغومة في عملية القتل التي لا تهدف إلا للقتل ولا تخلّف إلا الالم والكراهية
الضحايا من رواد الكنيسة هم مواطنون مسالمون يدعون الى الله ان يحل السلام والسعادة للجميع دون تمييز بين جنس وآخر او معتقد أو طبقة وأخرى.
وحقيقة الأمر ان كثيرين من الابرياء سقطوا ضحايا لهاذا النوع من القتل بلا تفكير أو رحمة، فكم من تفجير شهدت اسواق العراق لا يمكن معرفة الهدف منه
المختلف في الإعتداء على كنيسة سيدة النجاة ان هنالك من لا يميز بين الدول الغربية والمسيحية، فأمريكيا بقوتها العسكرية عندهم تمثل المسيحية، وهذا الربط خاطئ، والمسيحية عندهم مسؤولة عن الحريات الفردية، وهي مسؤولة عن الإستعمار وعن "كل الموبقات" وعلى
المسيحي العربي ان يتحمل المسؤولية
والجهل يعميهم ايضاً فيجعلهم يكرهون من يمد لهم يد العون ويتمنون الهلاك لمن تمنى لهم الخلاص
والجهل يجعلهم يستنتجون ما لا يمت الى الحقيقة بصلة، ولا يكلفون انفسهم بالتفكير في جدوى الإعتداء على من اعطى بصدق وإخلاص واغدق وإستبسل في الاصلاح لاجل توفير الحياة الكريمة لشعبه وأمته
فالمسيحيون العرب مضطهدون وملاحقون دون اقتراف ذنب إذ يظن الجهلة أنهم مقربون من الغرب بالرغم من وفائهم وإخلاصهم للوطن والتزامهم القومي
وهم مضطهدون في الغرب ايضاً لدفاعهم عن العدالة التي يفتقدها مجتمعهن الاصلي ولإلتزامهم بأصول الاخلاق المهنية في رفض التشكي ووصم إخوانهم من ابناء قوميتهم بصفة العنف فيلقى المسيحي الإضطهاد في مجال عمله لحسن نواياه ونظرته الإيجابية في أداء واجبه المهني حتى ان بعض اتباع الكنيسة في الغرب لا يتفهمون معنى روح التسامح التي يتمتع بها المسيحي العربي وقد تصل بهم نظرة الريب الى التسبب لهم بالاحباط وإختلاق المبررات والحوافز لاضطهادهم
والمسيحي العربي يجد نفسه محاصراً بالوف الطوائف والبدع المحسوبة على المسيحية وهي تتجنب كل ما له صله بالمسيح بل تفوح منها رائحة الأرتداد اكثر من الإنتماء للمسيحية، والمسيحي العربي عند الجهلة مسؤول عن ما تروّج له تلك البدع
والإضطهاد لا يقتصر على المسيحيين بل يعاني منه المسلمون أيضاً فالمجتمع العربي قد انغمس في المقارنة العقائدية والتعيير والمفاخرة مما اضاع الجهد في التفكير بأمور جوهرية مثل المساهمة في صياغة المواثيق الانسانية والعمل على تطبيق الشرعية الدولية مما تسبب في قطع الإتصال مع حركات التضامن في العالم وحلت الريبة بدل الثقة واتسعت العزلة وتطورت المعايرة الى اشتباك فكري عقيم وبلغ الإحتكاك درجة التصادم، فبدلاً من تعريف الإسلام في الغرب على انه الدين الذي يحث على إحترام الوالدين في شيخوختهما يناقشون ويجادلون حول مواضيع تهدف الى زعزعة ايمان الآخرين, وآخرون بدلاً من متابعة اعمال الأم تيريزا راهبة كالكوتا يحمدون الله على عقيدتهم ويتلذذون بتعيير عقيدة أخرى لأن احد رجالها إرتكب جريمة اخلاقية
ان الجهل والتعصب يختار لغة المعايرة والتجريح بدلاً من لغة التقارب والتعالي عن سفاسف الأمور. فسلوك معيب لفرد يتبع عقيدة ما لا ينقص من قيمتها ولا يعيب الا فاعل العيب وحده. فالاسلام ليس مسؤولا عن ما يفعله مسلم ما والمسيحية ليست مسؤولة عن اعمال احد رجال الدين
العروبة تحتاج اكثر مما مضى لثقافة إحترام حياة الإنسان والى فن صناعة الأصدقاء فعندنا ما يكفي من خبراء يتفننون في
تشويه صوره العرب وتخريب خطط التعمير والتعايش الأخلاقي الأخوي الذي يضمن الأمان والإزدهار لأبناء المجتمع
Nasif Masad